ابن عجيبة
473
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ثم ذكر ميراث الأبوين ، فقال : قلت : ( السدس ) مبتدأ ، و ( لأبويه ) خبر ، و ( لكل واحد ) ، بدل من ( أبويه ) ، ونكتة البدل إفادة أنهما لا يشتركان في السدس ، ولو قال : لأبويه السدس ؛ لأوهم الاشتراك . يقول الحق جل جلاله : إذا مات الولد ، وترك أبويه ، ف لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ ذكرا أو أنثى ، واحدا أو متعددا ، للصلب أو ولد ابن ، فكلهم يردّون الأبوين للسدس ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فقط ، فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ ، والباقي للأب ، فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ أي : أخوان فأكثر ، سواء كانوا أشقاء أو لأب أو لأم ، أو مختلفين ، فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ ، والباقي للأب ، ولا شئ للأخوة معه . وأخذ ابن عباس بظاهر الآية ، فلم يحجبها للسدس باثنين ، وجعلهما كالواحد ، واحتج بأن لفظ الإخوة جمع ، وأقله ثلاثة ، وأجيب بأن لفظ الجمع ، يقع على الاثنين كقوله : وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ ، إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ ، ولقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « الاثنان فما فوقهما جماعة » . وهذا كله ، بعد إخراج الوصية وقضاء الدين ، وإنما قدّم الحق - تعالى - الوصية على الدّين ، مع كون الدّين مقدما في القضاء من رأس المال ؛ لأن أرباب الدّين أقوياء ، بخلاف الموصى لهم ، فقدمهم اعتناء بهم . الإشارة : الروح كالأب ، والبشرية كالأم ، وعقد الصحبة مع الشيخ كالولد ، فإن كان الإنسان له صحبة مع شيخ التربية ، يعنى له ورد منه ، فالبشرية والروحانية سواء ، إذ كلاهما يتهذبان ويتنوران بالأدب والمعرفة ؛ الأدب للبشرية ، والمعرفة للروحانية ، إذا استمد بالطاعة الظاهر استمد الباطن ، وبالعكس ، وإن لم يكن عقد الصحبة موجودا كان ميراث البشرية من الحس أقوى كميراث الأم مع فقد الولد ، أو تقول : الإنسان مركب من حس ومعنى ، فالحس كالأم ، والمعنى كالأب ، لأن المعاني قائمة بالحس ، والروح تستمد منهما معا ، فهي كالولد بينهما ، فإن كانت الروح حية بوجود المعرفة ، استمدت منهما معا ، وإن كانت ميتة ، كان استمدادها من الحس أكثر ، كموت الولد في ميراث الأم . أو تقول : الإنسان بين قدرة وحكمة ، القدرة كالأب ، والحكمة كالأم ، والقلب بينهما كالولد ، فإن وجد القلب استمدت الروح من القدرة والحكمة ، واستوى نظرها فيهما . وإن فقد القلب غلب على الروح ميراث الحكمة ، كفقد